التخطي إلى المحتوى الرئيسي

‏قصتي مع أهل حائل

 د. عبدالله الشمراني



[قصتي مع أهل حائل]

قبل سنوات سمعت أن حائل، بها كنز من المخطوطات، وبها مكتبات عائلية خاصة، لعلماء كبار، منهم حمود الشغدلي، وصالح الطويرب، وعلي اليعقوب رحمهم الله. 

فقررت السفر إليها، للبحث عن المخطوطات وتصويرها، ولكن واجهتني معضلة جهلي بالمدينة، فلا أعرفها، ولا أعرف أحدا فيها. حضّرت أغراضي وأهمها (الشماغ)، فأنا لا ألبسه مطلقا، ولم أتعود عليه، (ربما لكوني جداوي!)، وقيل لي القوم هناك عربٌ أهل عادات وتقاليد، ربما لا يتقبلونك طالب علم كاشف الرأس.

استعنت بالله وحزمت حقيبتي، وانطلقت إلى المطار، مرتديا شماغا جديدة، وكأني أحمل كيس شعير على رأسي
وبين لحظة وأخرى أضع السبابة والإبهام على (المرزاب) لأتأكد من وزنيته، وأنه على منتصف الرأس.

وصلت مطار حائل، وكان هادئا، والأمور تسير باعتياد، ذهبت إلى سير وصول الأمتعة وأخذت حقيبتي، وتوجهت إلى بوابة الخروج.
كان في استقبالي شاب حائلي، كان قد كلمه شخص لاستقبالي، فأخذني إلى بيته. وأكرمني بوجبة غداء جملية جميلة، وليس لي قبل ذلك علاقة بلحم الجمل، إلا ما أقرأه عنه في كتب الفقه، وأنه ينقض الوضوء.
قلت له بعد الغداء: هيا لننطلق إلى البيوت بحثا عن المخطوطات. فأجابني مبتسما، خدمتك في ذلك، وقمت نيابة عنك بزيارة البيوت المقصودة، وأخذت منهم المخطوطات المطلوبة. كنت قد كلمته هاتفيا، قبل وصولي، وحددت له المنازل، على أن أقوم بذلك عند وصولي، فقام هذا الشاب الحائلي، بالمطلوب نيابة عني، قبل مجيئ، ولم أكلفه بذلك، لعلمي بالحرج في التردد على المنازل.

ربما بقي علينا بيتا أو بيتين... لا أذكر.
قمت بالمطلوب بمساعدته، وجمعت المخطوطات المطلوبة. والغريب أن العوائل الحائلية التي قصدناها، فيها سماحة عجيبة، وكرم نبيل، يسلموننا مخطوطات نفيسة، دون تردد، ودون توقيع وصل بتعهد الاستلام والتسليم، ودون مبلغ تأمين، ودون الزامي بإحضار آلة تصوير لتصويرها أمامهم، دون أخراجها من المنزل، كل همهم إكرام طالب العلم.
لم أر مثل هذا في حياتي! كان المعهد العلمي بحائل ضمن الوجهات، فلديه مخطوطات ترجع لأحد علماء حائل، تُوفي فخاف الورثة ضياعها، فأهدوها إلى مكتبة المعهد العلمي، حفاظا عليها، وليستفيد منها طلاب العلم.
لو باعوها لكسبوا ذهبا، لكنهم قدموا الآخرة على الدنيا، وأكرموا ميتهم، وأناروا قبره. كان مدير المعهد، متواضعا، متسامحا، فسلمنا المخطوطات، دون سند، ثقة منه فينا، وقال صوروها، وأرجعوها.
لن تجد في حياتك كلها من يتعامل معك في المخطوطات بهذه السماحة، وهذا الكرم.

انتهت المهمة، وتم جمع المخطوطات المطلوبة، وبقي التصوير، وغالب العمل قام فيه هذا الشاب الحائلي. وأنا والله لا أعرفه، ولكن الله يعرفه!
في تلك السنة لم تكن مراكز التصوير (خدمات الطالب)، بالكثرة التي نراها اليوم، وكانت هذه معضلة بالنسبة لي، ولاسيما أنني بحاجة إلى آلة متخصصة.

وجدت مركزا للتصوير، ففرحت به، ولكنه جديد، ولا يزال مغلقا، وصاحبه لم ينته من الترتيبات،
ولم يبدأ في استقبال العملاء بعد، قابلته فقال لي (وهو شاب حائلي): نحن الآن في طور التحضير للافتتاح، وسنبدأ في استقبال الناس بعد يومين.
كانت صدمة لي كبيرة، لكن سرعان ما تبدل الحال، حين علم أنني من (جدة)، فقال: حياك الله، أبشر بما يسرك.
فصنع معي مالا تصنعه مراكز التصوير كلها. قال لي: أنا أنهيت بعض الترتيبات، وسأذهب إلى بيتي لأستريح، وأنت ابق هنا في المركز، وصور ما تشاء، فهذه الآلات أمامك، والورق متوفر بكمية، وكلها حلالك، وقام بإعطائي دورة تدريبية سريعة في كيفية التعامل مع الآلات.

سلمني (والله) المفتاح، وقال أغلق على نفسك المركز، لكي لا يزعجك أحد،
ثم وصف لي أقرب مسجد، لكي أذهب للصلاة، إذا دخل وقتها، وانصرف إلى بيته.
فبدأت في التصوير من العصر إلى الليل، وأنا قائم، حتى آلمني ظهري جدا. ولكثرة التصوير ارتفعت حرارة الآلة، ويبدو أن قطعة فيها احترقت، فانتقلت إلى أخرى وارتفعت حرارتها وتوقفت... ولكن الحمد لله قد انهيت مهمتي،
ومستعد لإصلاح ما تلف.
حضر صاحب المركز في الليل، واستلم مني المفتاح، وشكرته على ثقته فيّ، وقلت له: هيا لنحسب التكلفة، وهي كبيرة، فضحك من كلامي، وقال (بثغر مبتسم): أنت صورت وانتهيت؟! قلت: نعم. فقال: الله يستر عليك، لا أريد شيئا، أنت ضيف في حائل وخدمتك واجبة، وبقي لك حق في البيت
تشرفنا على العشاء!

دار بيننا حوار طويل على التكلفة، ودخل في الحوار أيمان من الطرفين، لكن دون جدوى، كان هذا الحائلي يرى أنه ليس من المروءة مطالبتي بالتكلفة، وأنا ضيف في حائل.
فحدثته بالآلات التي تعطلت، والتزامي بتكلفة إصلاحها، ولم يغضب لتعطلها، ورفض مبدأ الإصلاح، وودعني مبتسما. أنا لا أعرف هذا الشاب الحائلي، ولكن الله يعرفه!
وفي اليوم التالي توجهت إلى المطار للعودة، ولكن تفاجأت بالدنيا (حيص بيص)، الدوريات الأمنية، ورجال الأمن في كل مكان، دخلت بوابة المطار، وتوجهت مباشرة إلى منصة تسجيل الركاب وتسليم الأمتعة، ومعي حِمل بعير، من المصورات، ووجدت شابا لطيفا،
استقبلني بابتسامة، وسألني عن محتوى الكرتون، فأجبته، وقلت: لك أن تفتشه إن شئت، ابستم لي مرة أخرى، ثم أنهى تسجيلي، وسلمني بطاقة صعود الطائرة، وودعني بلطف.
توجهت بعدها إلى صالة المغادرة.
والمطار ذو حركة غير اعتيادية، وأشعر أن أمرا ما يحدث! ووصلت إلى جهاز التفتيش، فأخرجت ما أحمله
من القطع المؤثرة، وعبرت الجاهز بثقة، فاصدر صوته المزعج والمحرج، أعادوني مرة ومرتين، وهو لا يزال يرن مصرا على إحراجي أمام الناس، مع خلوي من أي قطعة محظورة، أو مؤثرة لديه.
وضْع المطار حينها والكثافة الأمنية، لم تكن ناقصة لمثل هذا الحظ التعيس.
فأمرني الشرطي بالتوجه للتفتيش اليدوي،
فجاء رئيس له كان يراقب الوضع عن بعد، فقال باللهجة الحائلية الجميلة: يافلان خل المطوع يمشي، سيماهم بوجوههم.. والله هذا ما حصل، وثق فيّ، وشك في جهازه! لم يكن مستهترا بالأنظمة، لكنها فراسة البدوي التي لا تخطئ!
ذهبت إلى صالة المغادرة، فسألت من يقعد بجواري، وقلت له: ما الأمر؟! فقال انظر إلى هذه الطائرة.. إنها طائرة قطرية مخطوفة، والخاطف عراقي.
لم أعلم بالخبر؛ لانشغالي بتصوير المخطوطات، ولأن حمّى وسائل التواصل في ذلك الحين، لم تكن قد بدأت.
صعدت طائرتي بأمان، ووصلت الرياض بسلام، وانهيت مهمتي بنجاح، في رحلة كسبت فيها الكثير، ولم أدفع فيها ريالا واحدا. كسبت معرفة الرجال، ومعرفة حائل، وأهلها الطيبين، وكرمهم السخي، وعفويتهم الجميلة، وتسامحهم.

كنت قديما أظن أن ما أسمعهم عن طيبهم، ونخوتهم، وإكرامهم الضيف.. أنه مجرد مبالغة، وأحاديث مجالس، حتى وقفت عليه بنفسي.
فسلام على أهل حائل، وطابوا، وطابت حياتهم

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قصة انهيار سوق الأسهم السعودي عام ٢٠٠٦

  عبدالله مشاط جمل حديقة منزلك باستخدام هذه الاداة  😍😍 عن انهيار سوق الأسهم السعودي عام 2006 الانهيار المؤلم العالق في الذاكرة والذي تسبب بخسارة اكثر من تريليون ريال سعودي وسبب ذكريات مؤلمة للكثير تفاصيل القصة، الأحداث والأسباب يوم 25 فبراير 2006 سوق الأسهم السعودي وصل لاعلى اغلاق في تاريخه 20,634.86 نقطة وبقيمة سوقية تفوق 650 مليار دولار (2.45 تريليون ريال) الانهيار بدأ في 26 فبراير، وبنهاية 2006 كان تاسي قد خسر 65% من قيمته، وإجمالي قيمته السوقية هبطت بالنصف إلى 326.9 مليار دولار (1.22 تريليون ريال) القيمة السوقية لتاسي وصلت عام 2006 إلى 653.8 مليار دولار (2.45 تريليون ريال) قريب من السوق السويسري صاحب المركز 10 عالمياً بـ1.2 تريليون دولار في وانهيار 2007 العالمي ساهم في انهيار السوق اكثر والى اليوم لم يصل او يتجاوز السوق السعودي رقمه القياسي في 2006 وهو 20,966.58 نقطة! البداية:  السوق المالية السعودية Saudi Stock Exchange او تداول (تاسي) تأسست في عام 1985 تحت رعاية مؤسسة النقد SAMA السوق السعودي بدأ في عام 1985 بحجم مؤشر ...

القرامطة

ماجد الماجد فجأة؛ صعد أحدهم إلى ظهر الكعبة المشرفة نازعًا عنها كسوتها، ثم أقدم آخرون نحو الحجر الأسود وانتزعوه من مكانه، كل هذا وجثث المصلين ودمائهم الزكية تملأ الحرم المكي الشريف، كان هذا قبل ألف عام من الآن، على يد فئة مجرمة باغية..  قصتنا .... حياكم تحت! في ظلال الدولة العباسية وتحديدًا في نهاية القرن الثالث الهجري، كثر الحديث عن رجل زاهد يسكن أطراف الكوفة، ينسج الخوص ويأكل من عمل يده، وله قدرة فائقة على التأثير فيمن حوله، ثم ما لبث أن تطور خطابه إلى حد دعوته لمذهب جديد. كان هذا الرجل هو حمدان القرمطي مؤسس الدعوة القرمطية والتي اتخذت من واسط في العراق منطلقًا لانتشارها، حيث تدثر نشؤوها بأجواء سياسية مشحونة، مثل ثورة الزنج التي استمرت خمسة عشر عامًا، والتي ساهمت في غض طرف الدولة المركزية عنها، وبالتالي ذيوعها وانتشارها دون رادع. ارتكز القرمطي في دعوته على ركنين أساسيين أحدهما ديني وهو الدعوة للإمام الإسماعيلي  والذي كان مجرد غطاء، والآخر اجتماعي، متمثلًا في دعوته إلى إذابة الفوارق بين الطبقات المختلفة وال...

ناصر بن ابراهيم الرشيد

A thread by  حــ مــ و د ا لــ فــ ا يــ ــز ✍🏻. دعوني أحدثكم في هذا الثريد عن بعض التبرعات السخية والمساهمات النوعية التي قدمها رجل فاضل تفخر به المملكة عموماً وأبناء منطقته حائل خصوصاً / رجل الأعمال السعودي : ناصر بن ابراهيم الرشيد . والذي صنفته مجلة "أربيان بيزنس" على أنه رابع أغنى شخصية عربية 2009. أنشأ على نفقته الخاصة مركز الملك فهد للأورام وسرطان الأطفال ومشروع توسعته بتكلفة إجمالية بلغت حوالي (500.000.000 ريال) (نصف مليار) ويعتبر هذا المركز المركز الثاني على مستوى العالم المتخصص بهذا المجال، وقد أضاف له توسعة جديدة، وعولج في المستشفى ما يزيد عن 8000 حالة سرطان أطفال. إنشاء مركز الدكتور ناصر إبراهيم الرشيد لطب العيون بحائل بتكلفة بلغت (25.000.000) خمسة وعشرون مليون ريال. تبـرع بكامل تكاليف إنشاء مركز الملك سلمـان (الأمير سلمان سابقاً) للمعاقـين بحائـل بتكلفـة (12.500.000) ريال، وأضاف تبرعات نقدية أخرى لمراكز المعوقين بمبلغ (12.500.000) ليصبح مجموعة التبرع لأعمال الإعاقة (25.000.000) ريال. إنشاء أحدث مركز للأيتام بحائل (مركز الدكتور ناصر بن إبراهي...